العلامة المجلسي

122

بحار الأنوار

56 - نهج البلاغة : في صفة خلق آدم : ثم جمع سبحانه من حزن الأرض وسهلها وعذبها وسبخها تربة سنها بالماء حتى خلصت ، ( 1 ) ولاطها بالبلة حتى لزبت ، فجبل منها صورة ذات أحناء ووصول وأعضاء وفضول ، أجمدها حتى استمسكت ، وأصلدها حتى صلصلت ، لوقت معدود ، وأجل معلوم ، ( 2 ) ثم نفخ فيها من روحه فمثلت إنسانا ذا أذهان يجيلها ، ( 3 ) وفكر يتصرف بها ، ( 4 ) وجوارح يختدمها ، وأدوات يقلبها ، ( 5 ) ومعرفة يفرق بها بين الحق والباطل ، والأذواق والمشام والألوان والأجناس معجونا " بطينة الألوان المختلفة ، والأشباه المؤتلفة ، والأضداد المتعادية ، والأخلاط المتباينة ، من الحر والبرد ، البلة والجمود والمساءة والسرور ، واستأدى الله سبحانه وتعالى الملائكة وديعته لديهم ، ( 6 ) وعهد وصيته إليهم في الإذعان بالسجود له ، والخنوع لتكرمته ، ( 7 ) فقال سبحانه وتعالى : اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس وقبيله اعترتهم الحمية ، وغلبت عليهم الشقوة ، وتعززوا بخلقة النار ، واستوهنوا خلق الصلصال ، فأعطاه الله النظرة استحقاقا للسخطة ، واستتماما للبلية ، وإنجازا " للعدة ، فقال : " إنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم " ثم أسكن سبحانه آدم دارا " أرغد فيها عيشه ( 8 ) وآمن فيها محلته ، وحذره إبليس وعداوته ، فاغتره عدوه نفاسة عليه بدار المقام ، ومرافقة الأبرار ، فباع اليقين بشكه ، والعزيمة بوهنه ، واستبدل بالجدل وجلا " ، وبالاغترار ندما " ، ثم بسط الله سبحانه له في توبته ، ولقاه كلمة رحمته ، ( 9 ) و

--> ( 1 ) في نسخة : حتى خضلت . ( 2 ) في المصدر : وأمد معلوم . ( 3 ) أي يتحركها في المعقولات . ( 4 ) في نسخة : وفكر يتصرف فيها . ( 5 ) الأدوات : الآلات : وتقليبها : تحريكها وتصرفها في العمل بها فيما احتاج إليه . ( 6 ) أي طلب منهم أداءها ، والوديعة هي عهده إليهم بقوله : * ( إني خالق بشرا " من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ) * . ( 7 ) في نسخة : والخشوع لتكرمته . ( 8 ) في نسخة : أرغد فيها عيشته . ( 9 ) قال ابن ميثم : قال القفال : أصل التلقي في قوله تعالى : * ( فتلقى آدم من ربه كلمات ) * وقوله : * ( ولقاء كلمة رحمته ) * هو التعرض للقادم ، وضع موضع الاستقبال للمسئ والجاني ثم وضع موضع القبول والاخذ ، قال تعالى : * ( وانك لتلقى القرآن ) * أي تلقنه ، ويقال : تلقينا الحاج أي استقبلناهم ، وتلقيت هذه الكلمة من فلان أي اخذتها منه ، وإذا كان هذا أصل الكلمة وكان من تلقى رجلا فتلاقيا لقى كل واحد منهما صاحبه وأضيف بالاجتماع إليهما معا فصلح أن يشتركا في الوصف بذلك فكل ما تلقيته فقد تلقاك فجاز أن يقال : تلقى آدم من ربه كلمات أي أخذها ورعاها واستقبلها بالقبول ولقاه الله إياها أي أرسلها إليه وواجهه بها .